المقريزي

130

المقفى الكبير

وكان محمد بن عليّ صائما فطوى وامتنع من الأكل والشرب لا يزيد على القراءة والصلاة ، وبات على ذلك . وأصبح صائما ، وامتنع عند العشاء من الأكل ، حتّى عرف أنّ الوزير ابن الفرات لم يأكل في ليلته الماضية شيئا ، وأنّه قال : لا آكل أبدا حتى يأكل محمد بن عليّ ! فأكل حينئذ وشرب . فأنفذ ابن الفرات بمصادرته على ألف ألف ، وقبض ضياعه التي بالشام ومصر ، وتتبّع أسبابه ، وحمله معه إلى الشام . ثمّ عاد به إلى مصر . وخرج به ثانيا ، فمات ابن الفرات بالرملة بعد ما أقام « 1 » معتقلا خمس سنين بالرملة وغيرها . ثمّ عاد إلى مصر ، فردّ إليه الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد الأمور ، وخلع على ابنه الحسين بن محمّد ، وقلّده السيف وألبسه المنطقة ، ولزم محمد بن عليّ الدّرّاعة « 2 » وسار إلى منزله وخلفه ابنه بالخلع ، فعادت الأمور كلّها إليه . فلمّا توجّه الإخشيد إلى قتال محمد بن رائق بالشام في المحرّم سنة ثمان وعشرين [ وثلاثمائة ] واستخلف أخاه الحسن بن طغج على مصر ، أقام محمّد بن عليّ معه . فلم يزل يدبّر الأمور إلى أن قبض عليه الإخشيد في سنة إحدى وثلاثين [ وثلاثمائة ] بعد ما أعدّ له دارا تناهى في فرشها وملأها بجميع ما يحتاج إليه من ملبوس وطيب وطرائف ومآكل ومشارب ، ونزل إليها وطافها ، فلمّا أعجبه هيئة ما فيها ، أمر به فاعتقل بها . وقيل له : عملت كلّ هذا لمحمّد بن علي ؟ فقال : نعم ، هذا ملك وأروم أن لا يحتقر شيء لنا ولا يطلب حاجة إلّا ويجدها ، لأنّه إن عجز [ نا ] عن شيء « 3 » أحضره من داره ونسقط من عينه . فلمّا خرج الإخشيد إلى الشام في رجب سنة اثنتين وثلاثين [ 108 ب ] حمل محمد بن عليّ معه ، وعرض عليه الدخول إلى أمير المؤمنين المتّقي باللّه إبراهيم ابن المقتدر فامتنع ، وعاد معه إلى مصر . فلم يزل بها حتى مات الإخشيد بدمشق في ذي الحجّة سنة أربع وثلاثين [ وثلاثمائة ] وورد الخبر إلى مصر بوفاته . فاجتمع أبو المظفر الحسن بن طغج ووجوه مصر بدار الإمارة وتفرّقوا عن غير رأي . ثمّ اجتمعوا من الغد وهو يوم الخميس السادس من المحرّم سنة خمس وثلاثين [ وثلاثمائة ] وأحضروا محمد بن عليّ وشاوروه في أمرهم ، فقال : أليس المتّقي للّه استخلف الأمير أبا القاسم ابنه وكنّاه ، واستخلفه الأمير أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد رحمه اللّه ، وكذلك استخلفه أمير المؤمنين المستكفي باللّه ؟ فكره الحاضرون قوله وأشاروا إلى أنّه صبيّ ، فقال : هذا هو الرأي عندي ، وأنا أجلست هارون بن أبي الجيش [ بن ] أحمد بن طولون وهو أصغر منه ، ونزعت القرطين من أذنيه . ولقد انضبطت الأمور وطالت المدّة وحصّلت له ما كان لأبيه وجدّه من الرقّة إلى برقة . والأمير أبو القاسم نصبه واجب ، حفظا لأبيه ، ويخلفه عمّه أبو المظفّر .

--> ( 1 ) الذي بقي معتقلا هو الماذرائيّ . أمّا الفضل بن الفرات فقد مات سنة 327 . ( 2 ) الدرّاعة : لباس مدني في مقابل القبا والمنطقة والسيف ، وهي شارات القيادة العسكريّة . انظر : العيون والحدائق 671 . ( 3 ) في المخطوط : إن عجز شيئا ، واللغة في الحوار مختلّة منحطّة بوجه عامّ .